المغربية المستقلة : بقلم وسام شكيري

منصف الإدريسي الخمليشي

عبر واقعية نقدية ينقلنا منصف الإدريسي الخمليشي لنعيش وسط عائلة من العائلات المغربية التقليدية . انها عائلة ” الحر ” التي تعيش صراعات مختلفة مع الدين و الجنس و الحياة اليومية بظروفها الصعبة . يجدر بنا ان نصف هذه العائلة قليلا ؛

إن هذه العائلة هي عائلة متوسطة الحال تتكون من أب سكير ( سمير حر ) مدمن زنا المحارم ، و قد اعتاد ممارسة زنا المحارم مع اثنين من بناته . أما الأم ( سعيدة بنت عمر ) ، فهي مهزومة ضعيفة و ان كانت على علم ببعض من تفكير الأب الذي قد أخذ يثير الشبهاة ، فنشاهد في المسرحية أن الأب لا يحب زوجته ، فهو يصرخ في وجهها بقسوة و يشتمها ، لكن الأم قد صبرت على هذه العيشة التي تخلو من الاحترام و الوقار لكي تكبر بناتها في جو عائلي مكون من أب و ام .

  • الفتاة ” وسيلة ” في المشهد الثاني من الفصل الأول ؛ تنهر أبيها و توبخه بعدما أطلق جملة على الأم قد نفذت إلى مسامعها ، لكن الأب يرد على ابنته ساخرا . و يخرج تاركا الأم غارقة في دموعها. . .هذه الخلوة بين الأم و الابنة ” وسيلة ” تسمح للأم بأن تعبر عن شكوكها لابنتها وسيلة المثقفة حول أخلاق و تصرفات الأب التي أصبحت غير مألوفة و مثيرة للجدل . فتتقبل ( وسيلة ) أفكار الأم المحزونة بعقل سليم ، و عبر هذه الواقعية السحرية يعرفنا ” منصف الإدريسي الخمليشي ” على هذه العائلة التي تعاني من قسوة أب لا يؤمن إلا بالرغبة و الأمور المادية جاهلا الأمور الروحية و الأخلاقية . و يجدر الإشارة ان بعضا من تفكير الأب قد نبغ في الابن ” ريان ” الذي أصبحت له خلفية الحادية و بحكم معاشرته لاخواته البنات أصبح له توجها جنسيا خاصا .

يجد ريان الابن الأصغر للعائلة لذة خاصة في مجالسة صديقه ( نور فادي ) الذي كان هو الآخر مثلي الجنسي . فيشبعان حاجتهما الجنسية الملحة إلى بعضهما ، فنشاهد مشهد نور يقبل صديقه من وجنتيه بطريقة أنثوية و يتبادلان كلمات رومانسية في المشهد الثاني من الفصل الثاني . و لعل ” نور فادي ” لم يكن شريكا جنسيا لريان حر فحسب . بل كان شريكا يشبع رغبة صديقه في التفكير الوجودي الذي يثقل كيان الصبي الذي بات يسأل أسئلة تتعلق بالوجود و بات الضمير يأنبه عند طرح كل سؤال . كأن منصف يصور لنا صراعا نفسيا خاصا يعيش الملحد بسبب تفكيره العدمي ، مما يرجح فكرتي التي سبق و ناقشها في رواية ” مشكلة صغيرة في يوليا ” :

( ان الإلحاد هو الجنون . و أن تكون ملحداً يعني أنت على مقربةٍ من الجنونِ . إنَّ الإلحادَ لا ينكرُ وجود الله و لا يجزمه . إنَّهُ صراع مع اللاَّمعنى و اللَّاهدفية . صراع يسعى صاحبه إلى إيجادِ أساسٍ ثابتٍ للإيمان بالإله و لحبِّ الحياة . و أن تكون ملحدا حقّّا يعني أنك ليس إنسان بل شيء آخر تمامًا . لأنَّ الإنسانية من صنع الإله و من فعلِ الإله . و طالما أنَّ الملحد يؤمن ايماناً راسخاً أنَّه إنسان إذن أنَّ إيمانه باللهِ لم ينتهِ . إنَّ الملحدَ هو الَّذي وجد غير الله ملتحداً و طالما أنَّ الملحد لا يجد حتى الآن ملتحدا دون الله إذن أنَّ الإلحاد لا يدعمه أي دليل واقعي و هو مرض نفسي و مسألة شخصية بالدرجةِ الأولى لا دينيَّة. .و هذا هو الإلحاد بصفةٍ عامَّةٍ ) .

و على العموم ليس هناك ملحد واحد على مر التاريخ استطاع أن يؤكد صدق أفكاره حقيقة ، و استطاع أن يثبت بطريقة او اخرى أن الله غير موجود . إن جميع الملحدين من اقدمهم إلى أحدثهم لم يستطيعون أن يأكدوا أفكارهم و أثبتوا للعالم أنهم مجموعة من الحمقى . إن الله يثبت ذاته في أنفسهم ، يسيطر على ردود أفعالهم . فتجد الملحد يتصارع مع الموت و هو ينادي يا إلهي. .يتعب و يقول يا رباه. .يرى الجمال و يسبح باسم الله لا إراديا ، و كما قال الكاتب الفرنسي ” فيكتور هوجو ” إن الضمير هو عين الله في قلب الإنسان . أما الفيلسوف الألماني ” إيمانويل كانط ” ، فيستند إلى الضمير كأقوى البراهين على وجود الذات الإلهيه . 

و ما أقوى دهشتي حين رأيت منصف يطبق فلسفة ” كانط ” على بطله ، فهو ذا يخلق لنا شخصية ملحد يعذبها الضمير . كذلك تأكيدا لدوستويفسكي الملحد ايفان القائل ” ان لم يكن الله فان كل شيء مباح ” يعذبه ضميره ظنا منه أنه المحرض على موت الأب فيدور ، و ينتهي آخر الأمر إلى الجنون .

 و اخيرا تنتهي المسرحية بحكم القاضي على المهتم ( سمير حر ) بالإعدام كان منصف ينتقم من شخصيته الشاذة بمشهد إعدامه حرقا .