بوفكران : ليسقط الجهل و الجهلاء بلسان ميمون السهلي

 المغربية المستقلة: بقلم حدو شعيب 

لا احد يستطيع اليوم أن ينكر العلم، ولا تطور الإنسان كما لا يمكنه الإستغناء عن خدمات التكنلوجيا المتعددة من توفير المأكل والملبس إلى التطبيب إلى نشر العلم والمعرفة …

لكن الناس بالتأكيد ليسوا في مستوى واحد قياسا لمداركهم ولإدراكهم للحقيقة. نعم، هناك من لا زال يجادل في كروية الأرض وهناك من ينكر آثار العلم على البشرية، بل يعتبره علما غير نافع، يعتقدون أن النافع من العلم حدد له إطارا وانقضى الأمر… بالإضافة إلى الى أناس، يعتقدون في قرارة أنفسهم متحضرون، لكنهم يسقطون في أول اختبار يصادفونه في يومهم ليفند تحضرهم … نعم، هناك من لا يستطيع انتظار دوره في طابور، وهناك من يسوق سيارته دون احترام الآخرين، وهناك من تمتد يده إلى ما ليس له دون خجل، وهناك من يدس الدسائس لغيره ، وهناك وهناك …الكثير والكثير من الناس الذين يعتبرون الأخلاق والمبادئ والقيم لا مكان لها بينهم بقدر ما يعتقدون أن الحياة حرب ضروس في سباق محموم للظفر بالغنائم ولو بأي وسيلة …

في بعض الأحيان، قد يتساءل الشخص عن سبب كل هذا الإنحطاط ومعاكسة المنطق، أهو مجرد صدفة، أم هو نتيجة فعل فاعل، أم هو نتيجة لجشع الغالبية العظمى من بني البشر ؟ مثلا، لو قدر لإنفاق كل تلك المجهودات والطاقات على الحروب في الأعمار وفعل الخير لاستئصال كل الشر على وجه الأرض، قطعا سيختفي المرض، وسيختفي الفقر وسيختفي العنف وسيختفي دون شك كل ما يعكر صفو العيش الكريم فوق سطح الأرض بالمقابل سيزدهر الفن والثقافة وكل العلم وكل الوسائل التي تجعل من الحياة فوق الأرض نعمة لا تضاهيها نعمة … هيهات ثم هيهات، البشر هو البشر، ينفق على وسائل القتال والعنف مئات أضعاف ما ينفق على حاجياته الأساسية …

للبشر غرائز، تختلف من شخص إلى آخر، منها ما هو محمود ومنها ما هو مدمر… الغرائز المحمودة، لن تكون إلا محفزات ضرورية للشخص كي يصبح مثل الملاك، ينثر الخير والبسمة أينما حل وارتحل، لا يثنيه عن فعله شيء … في المقابل، من ابتلي بقوة الغرائز المدمرة سيكون دون شك بمثابة الورم الخبيث الذي يفنى بفناء حامله… أكيد، تعظيم الأنا واشتعال نار الغيرة والحسد يحولان الشخص من إنسان إلى أخطر المخلوقات تفتك وتمكر وتنشر الدسائس… فعلا، بالعناد يتحول نقاش عاد إلى شجار دموي، وبالأنا يتحول الفرد من إنسان وسط بنو جلدته إلى وحش مفترس، داخله تأكله نار الحقد والكراهية، وأفعاله شر يتطاير فوق الارض ناشرا البغض والعداوة … إيقاظ الأنا والغرور شيمة شيطانية في كل الأديان والأعراف، تبدأ بإعجاب الإنسان بنفسه لتتطور إلى احتقاره لغيره ثم تتدحرج كرة الثلج، كلما زادت الأنى اضمحلت كل الصفاة النبيلة للشخص، لتعوضها صفات الشر والكراهية …

مقاومة الأنا وتطهير النفس من كل ظواهر الغرور وبؤس القيم يتطلب مجهودا كبيرا ولن يتأتى إلا بالإستماتة في التعلم والتأمل والبحث عن الحقيقة … ليس بالتعالي على الناس ولا بالتفرد في المأكل والملبس يستطيع الشخص أن يهدأ نفسه… كل الحكماء والفلاسفة وأهل العلم عاشوا بسطاء، ليس بانقطاع حيلتهم ولكن بإدراكهم حقيقة لا يصلها غيرهم … ليست صدفة إذن أن كل العلماء والفلاسفة والمفكرون عاشوا حياة بسيطة … بالمقابل، كل الجبابرة والطغاة عاشوا حياة بذخ وترف ولم يغنيه بذخهم ولا بطشهم بأن يلاقوا مصيرهم الذي لاقوه وسقوطهم في براثن التاريخ الصدأ لتطوى صفحتهم ولا تذكر إلا مساوئهم … ليست صدفة.

الحياة امتحان، وكل شخص في اختبار يومي مع مجريات تفاعلاته مع محيطه ، إما أن يستسلم لضغط الإختبار وينهار امام ضرباته، أو يقاوم ويسبح ضد التيار مهما كان الثمن … هو اختيار وليس أحبار. قد لا اوفق في رصد تفاصيل معضلة مفترق الطرق : أن تذهب يمينا حيث ستنقطع عنك أخبار الشمال كلما توغلت أكثر، أو تختار الشمال لتفقد اليمين… على أي، لن أجازف أن الاختيار سيكون في اتجاه البحث عن الاخلاق، عن القيم، عن العلم، عن الثقافة، عن الفن … ولن يغريني الإتجاه المعاكس، مهما كانت الإغراءات…

Loading...