فنية : المسرح في غفلة الوباء؛ ممثلون يبحثون عن الجمهور: بقلم حمزة الصمدي أستاذ باحث في المسرح

  الممثلة وصال العلاوي من مسرحية المفقود  

المغربية المستقلة: بقلم حمزة الصمدي أستاذ باحث في المسرح

على مدخل إحدى دور السينما في إحدى الولايات الأمريكية المتحدة، و بدلا من إعلان اسم الفيلم المعروض، علقت يافطة تقول :« لأن الحياة الواقعية صارت تبدو مثل الأفلام، السينما مغلقة حتى إشعار آخر. كونوا لطفاء. كونوا بخير. » و هذا طبعا بسبب أزمة كرونا التي ضربت العالم مباغتة، خاطفة إياه من تسارعه الحاد، لتبطئ سيرورته و توقفه قليلا.

الحديث هنا عن المسرح، لكن السينما ليست إلا امتدادا فنيا و خليطا بين فنون عدة، أولها المسرح. و هناك حوار دائم في الآونة الأخيرة حول السينما و عرضها في دور السينما أو على خدمات البث عبر الإنترنيت، و لعل التسمية الانكليزية لكليهما ( المسرح و السينما ) ب « Teatres » تسعفنا أكثر من التسمية العربية.
منذ بداية المسرح و على مر عصور تطوره، كان الجمهور عنصرا أساسيا في تكوينه، و لاعبا حاضرا في إنتاجه، بل تعدى ذلك ليكون مقياسا لنجاح العمل، فالمسرح و على خلاف الفنون الأخرى ليس ذاتيا، و إنما يُكتب ليُمثل على خشبة أمام مجموعة من الأشخاص و لا يمكن تغييب الجمهور في أثناء الكتابة، بل يجب تضمينهم ليكون الممثل و التمثيل حاضرا و مفهوما له، تطبيقا لرأي؛ « أرني و لا تخبرني ». حتى بداية القرن العشرين، لم يكن هناك وصف للجمهور في المسارح و العروض و حتى الأفلام إلا ب « الجمهور »، و لكن مع بداية عصر التلفاز و الراديو و شبكات البث عبر الإنترنيت لاحقا، ظهر وصف جديد أجبر الكتاب و المحررين على التفريق الاستعاري بين الجمهور المباشر « الحي » و الجمهور غير المباشر، أي الجمهور المتابع من خلف الشاشة، الجمهور الذي لا يتفاعل مع المبدع/المؤدي في وقت العرض الحي.
في الأشهر القليلة الماضية، أعلنت أكبر دور المسارح العالمية، إغلاق أبوابها أمام الجمهور، و أيضا للعروض، و هو ما يعطي توازنا تاريخيا غريبا لمرحلة أو عالم كنا نظنه آمنا حتى وقت قريب. و في الوقت الذي أثرت فيه كرونا على القطاعات كافة، إلا أن تأثيره على المسرح كان تأثيرا وجوديا على المستوى العالمي عامة، و على المستوى العربي خاصة. إذ ان المسرح العربي مسرح هش، و العمل عليه ضعيف. و في غياب دور اللمس الذي اقتحمنا مؤخرا لاسيما عن طريق مسرح المقهورين انتماء للتجربة البرازيلية الرائدة في هذا الاتجاه. كون المسرح العربي لايزال يقطع خطواته الأولى في تطوير لبناته و مواضعه و حتى إيجاد من يفرد نفسه لهذا النوع من الفن، بعيدا عن أضواء السينما أو التلفاز و على الرغم من تأثر هذا القطاع سلبيا، إلا أن كتاب و منظري و مخرجي المسرح العربي كانوا أكثر حزما و إيجابية فيما يتعلق بمواضيع المسرح و التحضير له بعد كرونا.
يقول المسرحي المغربي محمد الحر، استكمالا لمجموعة من الرؤى الرافضة لتحيين المسرح و توبئته؛ ليس المسرح العربي ذلك الحضور و العمق و الأهمية مقارنة بالفنون الأخرى، و حتى مواسم العروض، لا تتجاوز فيها العروض عربيا أو مغربيا، عددا معينا و بالتالي تكون هذه المواسم ضبابية حسب تعبيره.
يوجد إجماع عالمي على عدم وجود بديل للجمهور الحي و التفاعل المباشر بين الجمهور و الكادر المسرحي و لكن على خلاف الخوف و الخطر من المسرح الغربي، يبدو أن المسرح العربي و بسبب الأزمة التي يعيشها قبل كرونا، يبدو متحفزا و جاهزا للانطلاق بعد انتهاء مشاكل الوباء، بل و يشهد حال تروٍ في الكتابة و الإنتاج منبها إلى أهمية إدراك الواقع و ما مررنا به قبل البدء من جديد أو العودة للقديم.

Loading...