قلعة مݣونة: تاريخ، ثقافة و جمال : بقلم حدو شعيب

المغربية المستقلة : بقلم حدو شعيب 

ويعتقد البعض أن زراعة الورود بالمغرب توسعت منذ القرن الرابع عشر الميلادي، عندما حملها التجار العرب الذين كانوا يتخذون منطقة جنوب المغرب محطة آمنة في طريق القوافل العابرة نحو (تمبوكتو) في قلب الصحراء، حيث يبادلون السلع الآسيوية والأوروبية بنظيرتها الإفريقية. وهناك خلفوا الورد الدمشقي المشهور في المنطقة (بالورد البلدي).
ومنذئذ أصبحت منتجات الورد حاضرة في حياة المغاربة، من غرفة الضيوف إلى المطبخ، مروراً بالمعشبات والحمامات. وحظي ماء الورد بأهمية كبيرة في طقوس المغاربة مثل الأعياد والأفراح والولائم، فكانت المرشة المعبأة بماء الورد تتوسط (صينية) الشاي في كل المناسبات، حيث يتم رش الضيوف كعلامة على الترحيب بهم. وكانت الورود ضمن الأغراض الأساسية للعروس ليلة زفافها. أما الحلويات الفاخرة فلا تخلو من ماء الورد الذي يضفي عليها نكهة مذاقية خاصة. وفي السياق نفسه استعملت منتجات الورد من ماء وزيت أساسي وبتلات مجففة في صناعة خلطات التجميل عند النساء، أو وصفات علاجية لكثير من الأسقام.
ولشدة تعلق المغاربة بالورد الأصيل (البلدي) خصصوا منطقة زراعية واسعة لإنتاج هذا النبات العطري الجميل. وتتركز هذه المنطقة في الجنوب المغربي على طول وادي دادس ومَكُّون، حيث تتوافر الظروف المثالية لنموه. ومنذ أكثر من ثلاث وخمسين سنة أصبحت مدينة قلعة مكونة، إحدى مدن المنطقة، تنظم مهرجاناً سنوياً للاحتفاء بالورد الملكي، وعرض منتجاته العطرية المتنوعة.
قلعة مكونة مدينة مغربية موشاة بالورود
لقد اعتاد سكان منطقة قلعة مكونة في جبال الأطلس المغربية أن يستقبلوا موسم تفتح الورود في فصل الربيع، باحتفال يضج بالألوان الزاهية والروائح العطرة التي تفوح من ورود المنطقة. ويشكل الاحتفاء بالورد جزءاً من ثقافة سكان المنطقة والمغاربة عموماً، لذا فإن استعراض الثقافة المحلية للمنطقة وموروثاتها الفلكلورية، أهم ما يميز مهرجان الورود بالمدينة الذي يعد ثاني أقدم مهرجان في المغرب بعد مهرجان الكرز بمدينة صفرو.
وتقع مدينة (قلعة مكونة) الجبلية الصغيرة على بعد 90 كلم شرق مدينة ورزازات بالجنوب المغربي، على الطريق الرابطة بين مدينتي ورزازات وتينغير. وهي تسمية مركبة من كلمة (قلعة) العربية المعروفة، مضافة إليها كلمة (مكونة)، نسبة لوادي مكون أو جبل مكون القريب من المنطقة، وهي كلمة أمازيغية تعني (الجنين الراقد في بطن أمه). وتتميز المنطقة بمناظرها الخلابة وخضرتها الساحرة التي علقت منذ الأزل بضفتي وادي مكون. ويشد زوارَها منظرُ أشجارها المثمرة المتناثرة وسط الاستغلاليات الزراعية الصغيرة، والتي لا تكل عن العطاء المتجدد طيلة الفصول الأربعة المتعاقبة سنة بعد أخرى.
ويعتقد أن نشأة قلعة مكونة، في هذه المنطقة المعروفة على الصعيد العالمي بالقصبات والقلاع المنتشرة على طول ضفتي نهر دادس؛ تعود إلى القرن الخامس عشر، عندما كانت تجارة القوافل الصحراوية لا زالت تشكل شريان الحياة لمناطق جنوب شرق البلاد، فكانت القلعة محطة لاستراحة القوافل في طريقها نحو الصحراء. واستوطنتها ساكنة أمازيغية في غالبيتها باستثناء بعض الأدارسة والعلويين الذين استوطنوا المنطقة، وهم جميعاً معروفون باللطافة وحسن الضيافة وإكرام كل الوافدين إليهم.
ومنذ ذلك العهد، اشتهرت (قلعة مكونة) بمنتوجها من الورود ذات الجودة العالية التي تستعمل في إنتاج مواد التجميل وماء الورد. وبفضل مُخطط المغرب الأخضر الذي أولى أهمية كبرى لسلسلة قطاع الورد، أضحت المنطقة، في الوقت الحاضر، تنتج سنوياً أربعة آلاف طن من الورد العطري الذي يلعب دوراً كبيراً في اقتصاد الواحتين دادس ومكون. وتنتج المنطقة وتُصدر منتجات وردية متنوعة مثل ماء الورد والصابون ومستحضرات تصفيف الشعر وترطيب البشرة والزيوت.
بفضل الورد (البلدي) أصبحت قلعة مكونة أعطر بقعة في المغرب، تصلك نسمات الورد وعطره وأنت تمر بين البساتين الزّاهرة والورود المتفتحة بألوان زاهية تأخذك إلى عالم السحر والجمال. فعلى مشارف مدخل المدينة تتعطر الأجواء بعبق قادم من بعيد وقلائد الورد تزين أعناق الجميع، صغاراً وكباراً، سكاناً محليين وزواراً. وهناك تنتشي حواس الشم بمحض إرادتها، وتبدو المدينة كأنها تستنشق عبق الورود، فلا يستطيع الزائر أن يتجاهل هذا الأريج المشتهى، وهذا اللون الأجوري الذي تنعكس على صفائه ظلال سدرة المنتهى. فبعد أن تتملى عيون الزائر من سحر الطبيعة، حيث يتحول كل جزء من الأرض المحيطة بالمنازل مهما كان حجمه إلى مشتل للورود؛ لا يملك هذا الزائر إلا أن يقصد محلات بيع زجاجات ماء الورد أو المنتجات العطرية لتنظيف الشعر والحفاظ على نضارة الوجه.
وبفضل قلعة مكونة أصبح المغرب منافساً كبيراً للدول المنتجة للورد الدمشقي كتركيا وبلغاريا. ولحسن حظ المنتوج المغربي أنه ما زال يحافظ على أصالته باعتماد الطرق التقليدية في الإنتاج، أي دون استخدام المبيدات أو المواد الكيماوية.
لكن مع فقدان المجتمع المعاصر لسحره وحساسيته وجانبه الروحي المرهف، وهيمنة المنتجات الصناعية والكيميائية؛ أصبح عطر الورد الذي يتم توليفه صناعياً مبتذلاً جداً. فالمنتجات المنزلية، ومزيلات الروائح، وحتى ورق المرحاض؛ أضحت تفوح بعطر الورد. وغدت المصانع تعمل على خفض وابتذال العطر الملكي للورود، وتسعى لتوجيه وعي المستهلكين نحو منتجاتها المزيفة.
ورغم ذلك ما زالت الثقافة المغربية الأصيلة وفيّة للورود العطرية، ومنجذبة وجدانياً إلى سحر رائحتها وجمال لونها، فلا تكاد تجد بيتاً مغربياً يخلو من قارورة ماء الورد البلدي أو بتلاته المجففة، ولا تكاد تعثر على امرأة مغربية لا تستعمله في أحد مستحضراتها للحفاظ على جمالها ونضارة وجهها. إنه إكسير الشباب.

Loading...